المناوي
78
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
قال ابن عبّاس : لمّا أسلم عمر رضي اللّه عنه نزل جبريل عليه السّلام على سيّد البشر صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : قد استبشر أهل السّماء بإسلام عمر رضي اللّه عنه . استدعاه المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم يوما فقال : « ادن يا عمر » فدنا ، فقال : « قد كنت شديد الشّغب علينا أبا حفص ، فدعوت اللّه أن يعزّ الدّين بك ، أو بأبي جهل فكنت أحبّهما إلى [ اللّه ] ، فأنت معي في الجنّة ثالث ثلاثة من الأمّة » « 1 » فأعظم بها من منّة . وجمع اللّه بما منحه من الصّولة ما تشتّت من شمل الدّولة ، فعلت بالتّوحيد أصواتهم بعد التخافت ، وثبتوا في أحوالهم بعد التّهافت ، وغلب كيد المشركين ، بما لزم قلبه من اليقين ، ولا ينظر إلى كثرتهم ولا يكترث بمنعتهم « 2 » واتحاد كلمتهم اتّكالا على منشئهم ، وانتصارا بقاصمهم وشانئهم ، محتملا لما احتمل الرّسول ، مصطبرا على المكاره لما يؤمّل من الوصول ، المخصوص من بين الصّحب بمعارضة المبطلين ، والموافق في الأحكام لربّ العالمين ، السّكينة تنطق على لسانه ؛ واليقين يسكن في جنانه ، كان بالحقّ صائلا ، وللأثقال حاملا ، وقد قيل : التّصوف ركوب الصّعب في جلاء الكرب . ومن مناقبه المنيفة ، ومزاياه الشّريفة أنّه ما هاجر أحد إلّا مختفيا إلّا هو ، فإنّه لمّا همّ بالهجرة تقلّد بسيفه ، وتنكّب قوسه ، وانتضى بيده أسهما ، وأتى الكعبة ، وأشراف قريش بفنائها ، فطاف وصلّى ثمّ أتاهم حلقة حلقة ، وقال : شاهت الوجوه ، من أراد أن تثكله أمّه ، ويوتم ولده ، وترمّل زوجته فليتبعني خلف هذا الوادي . فما تبعه أحد .
--> ( 1 ) ذكره صاحب كنز العمال 9 / 168 ( 25555 ) وقال : قال السيوطي هذا الحديث أخرجه جماعة من الأئمة كالبغوي والطبراني في « معجميهما » ، والباوردي في « المعرفة » ، وابن عدي وكان في نفسي شيء ، ثم رأيت أبا أحمد الحاكم في « الكنى » نقل عن البخاري أنه قال : حدثنا حسان بن حسان ، حدثنا إبراهيم بن بشر أبو عمرو عن يحيى بن معن حدثني إبراهيم القرشي عن سعد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى ، به وقال : هذا إسناد مجهول لا يتابع عليه ولا يعرف سماع بعضهم من بعض . ( 2 ) في ( أ ) و ( ب ) : بممانعتهم .